من مدير نزل في سويسرا إلى فلاح في أرياف المهدية !

منقول من موقع « راديو مهدية » بقلم الناشط نزار بن حسن: نظر « عمّــار فهمي » إلى حقله في ريف معتمديّة « هبيرة »، يتأمّل الأماكن التي تمّ تنظيفها من الأعشاب الطفيليّة قلقا، فالأعشاب الطّفيليّة تهدّد محصوله من ورود « الزّعفران »، لكّن سُرعان ما ابتسم وطلب من العاملات الرجوع إلى منازلهّن فالطّقس بارد، ولم يعُد بالإمكان مُواصلة العمل اليوم.
« عمّار فهمي » شاب مزدوج الجنسيّة من أب تونسي وأم سويسريّة، عاش ودرس السياحة في سويسرا، اشتغل في العديد من الفنادق هناك وتقلّد مسؤوليات مهمّة فيها، ولكنّه قرّر الرّجوع نهائيّــا إلى تونس وحيدا دون عائلته التي فضّلت الاستقرار في البلد الأوروبي.
اختار « عمّــار » الاستقرار في موطنه في قرية « الرّقايقة » من معتمديّة هبيرة في عمق ولاية المهديّة منذ سنة 2012، فأسّس شركة « المستمرّة » للأنشطة الفلاحيّة، وجمّع المنتوجات البيولوجيّة التي يُنتجها أبناء هذه القرية لبيعها في الأسواق الأوروبيّة بأسعار مُحترمة، كما اختار العناية بأرض على ملك عائلته وزرع الزياتين والخضر قبل خوض مُغامرة زراعة « الزّعفران ».
جلس « عمّــار » بجانب المدفأة داخل المنزل المُطلّ على الحقل، بعد الاطمئنان على محصوله، وعلى نباتاته التي يعرف عددها بدقّة، 315 ألف هو عدد النباتات التي غرسها في أرضه في أسطر تجاوزت 62 كيلومترمربع مُجتمعة، حدثّنا « الشاب » باللغة الفرنسيّة، فهو لا يتقن العربيّة جيّدا، إلاّ بعض الكلمات المُتداولة.
سنة 2012 قرّر الرجوع الى تونس نهائيّــا وترك قطاع السياحة للاهتمام بالفلاحة والزّراعة، وكان أحد أصدقائه في فرنسا حدّثه أنه تعوّد توريد مادّة « الزّعفران » من المغرب وايران نحو فرنسا، فغامر « عمّــار » وشارك في تكوين لزراعة هذه النبتة الغريبة على بلادنا وانطلقت المُغامرة.
كانت الفكرة غريبة على أبناء الجهة وعائلة « عمار »، ولكن والده شجّعه رغم شكّه في نجاح العملية وأرباحها، وانطلقت التجربة منذ ثلاثة سنوات.
لم تكن عمليّة جلب المشاتل من فرنسا عمليّة سهلة، فتكلفة النقل مُرتفعة، وتعرّضت المشاتل لأشعة الشمس في الميناء في فرنسا قبل الانتهاء من الإجراءات، حتى اضطرّ في النهاية لنقلها عبر الطائرة إلى تركيا ومنها إلى تونس العاصمة ثمّ الى منزله في « الرقايقة » بجانب حقله الذي حاول إعداده قدر الإمكان حتى يغرس « المشاتل » قبل تلف جزء آخر منها.
والد « عمّــار »، الذي قضّى حياته في سويسرا، لم يتوقّع أنّ ابنه سيعود للاستقرار في تونس وامتهان الفلاحة، فصار يزور ابنه في فترات مختلفة من السنة وشاهد عمليّة الغراسة ووصفها بكلّ فخر وهو يتأمّل ابنه الجالس أمامه : »اشتغل أكثر من 40 عاملا لمدة عشرة أيّــام في إعداد الحقل وزراعة 315 ألف نبتة « زعفران »، كان ابني « عمّــار » يُلقي الغبار بيده ولا يستعمل حتّى المجرفة في ذلك، وكانت العملية مُعقّدة، فإبني هو الوحيد الذي يعرف كيفيّة غرس المشاتل ».
نبتة صغيرة ذات أزهار بنفسجيّة جميلة جدا ولكن زراعتها مُعقّدة، فيجب غرسها على عمق ثلاثين سنتمترا، وحمايتها من النباتات الطفيليّة وريّها ليلا عندما ترتفع حرارة الطقس، وتُنتج أزهارا في شهر نوفمبر من كلّ سنة، يتمّ قطفها قبل بزوغ الشمس باستعمال مصابيح صغيرة توضع على الرّأس وبكلّ تأنّ، وتوضع في سلال من السّعف.
تُنقل الأزهار بعد قطفها الى غرفة مُظلمة كان « عمّــار » أعدّها لذلك، فيتم انتزاع البتلات الحمراء من داخل كلّ زهرة، ثم توضع كلّ البتلات على ورقة بيضاء، ويتم ادخالها الى الفرن لتبقى بعض الوقت في حرارة لا تتجاوز 25 درجة حتى تُحافظ على قيمتها ولونها ويتم تجميعها لاحقا في أكياس خاصّة.
يتم بيع الكلغ الواحد من البتلات في فرنسا بسعر يتراوح بين 18 و40 ألف يورو حسب جودة المنتوج، وتُستعمل في انتاج الأدوية واعداد بعض الأطباق الفاخرة جدّا ولصناعة مواد الزينة.
أكّد المُزارع الشاب والابتسامة تعلوا وجهه : » عشت صعوبات كثيرة في بداية المشروع نظرا لنقص الخبرة وخطورة المُغامرة، فمشروعي هو الوحيد في بلادنا، وهناك بلدان أخرى سبقت تونس بكثير في زراعة « الزعفران » كالمغرب وايران وباكستان وحتى الجزائر ».
يُشغّل « عمّــار » 3نسوة بشكل دائم في الحقل، مع الاستعانة بمتساكني القرية في فترات جني المحصول أو عندما يقتضي الأمر، وساهم بشكل كبير في تخفيض البطالة في قريته، وهو يطمح لتمكين المتساكنين من المشاتل لزراعة أجزاء صغيرة من أراضيهم ثم يقتني منهم المحصول، وهو ما سيُوفّر لصاحب الأرض مبلغا لا يقلّ عن 10 آلاف دينار سنويا في مساحة مزروعة لا تتجاوز المائة متر مربّع.
يتلقّى « عمّــار » مكالمات هاتفيّة كثيرة من أصحاب المنابت والفلاحين، يستفسرون حول النبتة وتفاصيل العناية بها وكيفية الحصول على « الزّعفران »، وطلبوا منه تمكينهم من المشاتل والاشتغال لصالحه.
خلال هذه المُغامرة تعرّف « عمّــار » على زوجته المُستقبليّة وهي مهندسة فلاحيّة تُساعده الآن في المشروع، ويستعدّ قريبا للزّواج آملان في مواصلة النجاح سويّــا لتكبير المشروع وتشريك كلّ أبناء الجهة وخاصة العاطلين عن العمل، واقتناء أرض فلاحية أخرى في الشمال التونسي حيث الأرض أكثر خصوبة وذات مردودية عالية.

مقالات أخرى

Leave a Comment